فخر الدين الرازي

219

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

يقابل التعجيل بالتعجيل ، والاستعجال بالاستعجال . والجواب عنه من وجوه : الأول : قال صاحب « الكشاف » : أصل هذا الكلام ، ولو يعجل اللَّه للناس الشر تعجيله لهم الخير إلا أنه وضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعارا بسرعة إجابته وإسعافه بطلبهم ، حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل لهم . الثاني : قال بعضهم حقيقة قولك عجلت فلانا طلبت عجلته ، وكذلك عجلت الأمر إذا أتيت به عاجلا ، كأنك طلبت فيه العجلة والاستعجال أشهر وأظهر في هذا المعنى ، وعلى هذا الوجه يصير معنى الآية لو أراد اللَّه عجلة الشر للناس كما أرادوا عجلة الخير لهم لقضى إليهم أجلهم ، قال صاحب هذا الوجه ، وعلى هذا التقدير : فلا حاجة إلى العدول عن ظاهر الآية . الثالث : أن كل من عجل شيئا فقد طلب تعجيله ، وإذا كان كذلك ، فكل من كان معجلا كان مستعجلا ، فيصير التقدير ، ولو استعجل اللَّه للناس الشر استعجالهم بالخير إلا أنه تعالى وصف نفسه بتكوين العجلة ووصفهم بطلبها ، لأن اللائق به تعالى هو التكوين واللائق بهم هو الطلب . المسألة الرابعة : أنه تعالى سمى العذاب شرا في هذه الآية ، لأن أذى في حق المعاقب ومكروه عنده كما أنه سماه سيئة في قوله : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ [ الرعد : 6 ] وفي قوله : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] . المسألة الخامسة : قرأ ابن عامر لقضى بفتح اللام والقاف أجلهم بالنصب ، يعني لقضى اللَّه ، وينصره قراءة عبد اللَّه لقضينا إليهم أجلهم وقرأ الباقون بضم القاف وكسر الضاد وفتح الياء أَجَلُهُمْ بالرفع على ما لم يسم فاعله . المسألة السادسة : المراد من استعجال هؤلاء المشركين الخير هو أنهم كانوا عند نزول الشدائد يدعون اللَّه تعالى بكشفها ، وقد حكى اللَّه تعالى عنهم ذلك في آيات كثيرة كقوله : ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ [ النمل : 53 ] وقوله : وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا [ يونس : 12 ] . المسألة السابعة : لسائل أن يسأل فيقول : كيف اتصل قوله : فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا بما قبله وما معناه ؟ . وجوابه أن قوله : وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ متضمن معنى نفي التعجيل ، كأنه قيل : ولا يعجل لهم الشر ، ولا يقضي إليهم أجلهم فيذرهم في طغيانهم أي فيمهلهم مع طغيانهم إلزاما للحجة . المسألة الثامنة : قال أصحابنا : إنه تعالى لما حكم عليهم بالطغيان والعمة امتنع أن لا يكونوا كذلك وإلا لزم أن ينقلب خبر اللَّه الصدق كذبا وعلمه جهله وحكمه باطلا ، وكل ذلك محال ، ثم إنه مع هذا كلفهم وذلك يكون جاريا مجرى التكليف بالجمع بين الضدين . [ سورة يونس ( 10 ) : آية 12 ] وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 12 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : في كيفية النظم وجهان : الأول : أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنه لو أنزل العذاب